الأخبار

الزرقاء عدوة ذوي الاعاقة! (فيديو)

– مسؤولون يعتبرون العناية باحتياجاتهم ومستلزماتهم “ترفا”

– وفاء حملها ابن اخيها الى الطابق الثالث للادلاء بصوتها في الانتخابات

كان الحرج باديا على الرجل الجالس في الكرسي المتحرك وهو يستشعر انفاس الشاب النحيل وراءه ثقيلة تكاد تنقطع لشدة ما بذله من جهد اثناء رفعه مع الكرسي فوق عتبة الرصيف العالية.

صحيح ان هذا الرصيف العنيد في شارع شاكر وسط الزرقاء بات وراءهما الان، ولكن لا تزال هناك ارصفة وعقبات اخرى  لا تعد في الطريق، وسيتطلب اجتيازها ذات المشقة وربما اكثر.

ترى لو لم يكن معه هذا الشاب، فماذا كان الرجل الجالس في الكرسي فاعلا في هذه المدينة التي تعامت عن حاجاته هو ونحو عشرة الاف اخرين من سكانها الذين ابتلاهم الله بالاعاقات.

كيف سيعبر الشوارع بجزرها الوسطية التي تبدو شاهقة لمن هم في حالته، وكيف له ان يعتلي جسور المشاة او يهبط ويرتقي ادراج الانفاق، او يصعد في الحافلات والمركبات العمومية، او حتى يدخل دائرة رسمية لينجز معاملة؟

لا ترحم

“لا شئ مهيأ لنا، لا شوارع ولا ارصفة ولا حتى مواقف للسيارات”، هكذا يلخص بطل المشهد السابق زياد ابو صلاح معاناته مع المدينة التي لا ترحم امثاله من ذوي الاعاقة.

حين يستدعي الامر مراجعة دائرة رسمية فان ابو صلاح يوكل شخصا لينوب عنه، فمعظم الدوائر بلا مصاعد وبعضها في طوابق ينوء بادراجها ذوو القوة من الاصحاء.

والادهى ان مديرية التنمية الاجتماعية التي يفترض ان تكون حاضنة لاصحاب الاعاقة، هي ايضا ليس بها مصاعد!.

ومما يحمله ابو صلاح من الشكوى المريرة، مخالفات السير التي ينزلها بهم الرقباء عندما يطول وقت وقوف مركباتهم في الشوارع بحكم صعوبة حركتهم التي تجعل امر قضاء حاجاتهم يستغرق زمنا اكثر من المسموح.

“لا تستعجلوا في مخالفتنا”، هي رسالة ابو صلاح لرقباء السير، مشفوعة بمناشدتهم اخذ وضع ذوي الاعاقة في الاعتبار.

انتخاب عسير

عندما تحاملت وفاء احمد حسن على اعاقتها التي تمنعها المشي، وقصدت مركز الاقتراع لاداء واجبها الوطني في المشاركة بالادلاء بصوتها في الانتخابات، اكتشفت ان الصندوق المخصص لها موجود في الطابق الثالث

في انتخابات سابقة، تجاوب المشرفون على عملية الاقتراع وانزلوا الصندوق الى وفاء في الطابق الارضي.

لكن الحال لم تكن كذلك في الانتخابات الاخيرة، فالصندوق لم ينزل اليها كما كانت تأمل، غير ان هذا لم يثنها عما عزمت عليه، فاستعانت بابن اخيها الذي حملها بين ذراعيه وصعد بها الادراج.

تقول وفاء “لا توجد مسارات مخصصة لنا في الشوارع، اما الارصفة فعتباتها عالية وغير مزودة برامبات (اسطح مائلة) وان وجدت فتكون زوايا ميلانها حادة جدا”.

وتطالب هذه الفتاة المسؤولين بوضع احتياجات ذوي الاعاقة ضمن حساباتهم عند انشاء المباني الحكومية كالمراكز الصحية والمدارس وغيرها، وان يسعوا ما امكن الى تلبيتها في المباني القائمة.

مجتمع معاق

المعاق ليس الجالس على كرسي العجلات، وانما المجتمع الذي لا يستطيع توفير متطلبات تسهيل حركته ولا يتقبله على حد وصف رنا سالم مديرة برنامج التأهيل المبني على المجتمع للاشخاص ذوي الاعاقة في مخيم الزرقاء..

ويسعى البرنامج الذي يستفيد منه 559 شخصا الى دمج ذوي الاعاقات في المجتمع.

وتقول رنا ان المعاق شخص يعمل ويتقن العديد من المهام وهو على كرسيه المتحرك، وعدم تقبل المجتمع له وتلبية حاجاته يشكل اكبر عامل يؤثر سلبا على ادائه وتطلعاته في الاندماج والانجاز.

وتؤكد مسؤولة برنامج التاهيل ان كافة الشوارع والبنى التحتية في الزرقاء غير مؤهلة ولا تتوفر فيها مستلزمات تسهيل حياة صاحب الاعاقة.

وتقول “البنية التحتية غير ملائمة لهم، وحتى الباصات التي يفترض ان تشتمل تعديلات لتناسب ذوي الاعاقة، فقد سمعنا عنها ولم نرها”.

وكان قانون حقوق الاشخاص المعوفين قد نص على “تأمين كل من شركات النقل العام والمكاتب السياحية ومكاتب تأجير السيارات واسطة نقل واحدة على الأقل بمواصفات تكفل للأشخاص المعوقين استخدامها أو الانتقال بها بيسر وسهولة”.

كودات ورق

القانون نص ايضا على تطبيق كودة متطلبات البناء الوطني الرسمي الخاص بالأشخاص المعوقين في جميع أبنية القطاعين العام والخاص والمتاحة للجمهور، وعلى ان يطبق ذلك على الأبنية القائمة ما أمكن.

ويوضح نبيل محافظة مسؤول الأبنية الحكومية في مديرية أشغال الزرقاء ان تعليمات الكودة تتحدث عن “توفير رامبات وحمامات ومغاسل لذوي الاحتياجاتالخاصة، وفي بعض الأماكن مصاعد خاصة لهم”.

ويؤكد انه يجري “إلزام المقاول بتنفيذ هذه التعليمات، والمعمول بها منذ عام 2008، ويتم تضمينها في وثائق العطاء”.

هذا بالنسبة للأبنية الحديثة، اما القديمة فيقول محافظة ان الامر يقتصر على الزامها بالكودة “في حالة طرح عطاء صيانة لمبانيها، كالمدارس مثلا”.

ولكن هي الرقابة الضعيفة تارة والغائبة تارة اخرى، ما يجعل تلك الكودة مجرد حبر على ورق معظم الاحيان.

وهذا ما يقر به محمد الزواهرة المدير الإداري ورئيس وحدة التنمية المحلية في بلدية الزرقاء، والذي يقول “للأسف لا يوجد تشديد ولا مراقبة”.

مشروع للبلدية

يؤكد الزواهرة انه “يفترض تأمين وسائل مناسبة لذوي الاعاقة لتسهيل الوصول والدخول الى المباني العامة” وهذا امر ينسحب على مباني البلدية، التي قال ان هناك مشروعا مقترحا لتطوير بنيتها التحتية حتى تستوعب تلك الوسائل.

واضاف ان لديهم توجها من اجل التعاون مع القطاع الخاص الذي اعتبر ان عليه تحمل مسؤولياته حيال المجتمع، وذلك عبر المشاركة في تمويل المشروع الذي سيصار في مرحلته الاولى الى انشاء رامبات في مبنى البلدية الرئيسي وسط السوق.

واشار الزواهرة الى ان البدء بالمشروع سيكون اعتبارا من العام المقبل، وسيتوسع تدريجيا حتى يشمل الارصفة التي وصفها بالضيقة.

وفي ما يتعلق بدور البلدية حيال الابنية الحكومية، فيوضح الزواهرة انها من صلاحية وزارة الاشغال، الا انه قال ان ذلك لا يمنع من ان تسعى البلدية الى تشكيل لجان للكشف عليها وتقديم توصيات بشأن ما يمكنها فعله للتسهيل على ذوي الاعاقة.

وكانت دراسة لمركز الجنوب والشمال للحوار والتنمية قد اشارت الى غياب أو تدني مستوى وعي الكثير من المسؤولين في البلديات، والمؤسسات الصحية والتعليمية بقضايا الإعاقة والمستلزمات الضرورية للبيئة المؤهلة.

وقالت الدراسة التي نشرت نتائجها العام الماضي ان كثيرا من هؤلاء المسؤولين يعتبرون العناية بقضايا ومستلزمات ذوي الاعاقة “ترفاً”.

جدير بالذكر ان عدد من ذوي الاحتياجات الخاصة في محافظة الزرقاء يبلغ 10262، منهم 6269 ذكور و3993 إناث.



*