الأخبار

بيت “عدنان افماج” في الزرقاء، متحف شخصي يحكي تاريخ شراكسة الاردن

كل زاوية وجدار ومساحة في بيت عدنان افماج الواقع في منطقة جبل طارق في الزرقاء، تحتضن نفحة من تاريخ شراكسة الاردن، ان في صورة او مخطوطة او قصاصة او قطعة تراثية مجبولة بعبق القوقاز.

منذ دخولنا اليه وصعودنا ادراجه راحت معروضات هذا المتحف الشخصي تشدنا وتستوقفنا تباعا، وبدوره لم يبخل علينا مضيفنا الدمث بالتفاصيل التي تروي فضولنا لفهم ما كانت تقع عليه اعيننا.

كان يبدو خلال حديثه اقرب الى دليل سياحي يتقن اختيار العبارات التي تيسر على المستمع فهم محاور وخلفيات معروضات بيته التي يوليها كل اهتمام وعناية.

وكما يفعل الدليل المحترف، فقد استهل بتعريفنا بنفسه قبل الخوض في الحديث عن مقتنياته التي بذل جهدا وسنوات ممتدة في سبيل جمعها.

وقال “انا عدنان يونس مذهب أفماج، مواليد 1958، من عائلة باسادوف التي ترجع أصولها إلى جمهورية الاديغي شمالي القوقاز”.

ومضى في التعريف بجذوره “حضرت عائلتنا الى الأردن حوالي عام 1878 مع المهاجرين واستوطنا بادئ الأمر في منطقة بيادر وادي السير. وعمل والدي وقتها في الزراعة..ومن ثم قدم الى الزرقاء في سنة 1930 مع تشكيل قوة الحدود”.

وتابع “كان والدي طبيبا بيطريا وأمضى ما يزيد عن 40 عاما في العسكرية، وسكنا بداية في حارة القسوس الواقعة خلف سينما سلوى مقابل المعسكرات”.

نشأ افماج كما يخبرا في وقت كانت تنتشر بين ابناء جيله هواية جمع الطوابع والعملات، والتي انخرط فيها هو ايضا وشكلت لاحقا انطلاقة لمشواره مع جمع المقتنيات.

ويوضح “هواية جمع العملات و الطوابع رافقتني منذ كنت طالبا، وشيئا فشيئا نما لدي اهتمام بجمع الصور التي كنت أشاهدها في المجلات والصحف، ثم رحت احتفظ بكل ما اجده من قصاصات تتعلق بالشركس”.

واولى القصاصات التي جمعها كما يقول، كانت من الصحف التي غطت تشييع اول شهيد شركسي في صفوف حركة فتح الفلسطينية عام 1968، وهو الشهيد احمد محمد الحاج فتحي.

ويستحضر افماج ذلك الحدث قائلا انه درجت العادة في تلك الايام على اقامة احتفالات ومواكب للشهداء يشارك فيها اسطول من السيارات والمشاة المتمنطقين بالاسلحة ومنها الرشاشات.

ويضيف “وقتها شارك الشهيد القائد ابو عمار وكذلك جورج حبش وكافة قادة العمل النضالي في الجنازة التي كانت لاول ضابط شركسي في صفوف فتح، ووقتها كتبت الصحف مقالات عن هذا التكريم، ووقعت بين يدي صورة لواحدة منها فاحتفظت بها”.

“ومن يومها بدأت احتفظ بكل المواضيع التي تتعلق بالشركس حتى وصلت معي هذه الهواية حد الادمان”.

وبمرور السنوات، احتشد لدى افماج ما يصعب حصره من القصاصات والمخطوطات والتسجيلات الصوتية والقطع التراثية التي جعلت من بيته اليوم متحفا يحظى باهتمام اصبح يشمل حتى الباحثين والمؤرخين.

وقال عن مصادر مقتنياته “بدأت جمعها من خلال الجمعيات والأندية والصحف، وكنت أذهب الى أرشيف صحيفتي الرأي والدستور وكذلك المركزين الثقافيين الفرنسي والتركي، وأشاهد ما كتبوا عن الشركس وماذا لديهم من معلومات”.

واضاف “وكنت اذهب أينما توجد مراجع أو مصادر قريبة، لدرجة انني تعاملت مع السفارتين التركية والاميركية، وتعاونت مع كل مراكز الملحقيات الثقافية تقريبا، وطبعا هناك ايضا مكتبة شومان ومكتبة الجامعة الأردنية”.

وزيادة على ذلك فقد حصل على وثائق رسمية وصلته من بريطانيا وتوضح كيف جرى تهجير الشركس.

واشار افماج الى انه تعاون مع الصحفي جودت ناشخو لأكثر من سبع سنوات اثناء كان يعمل على اعداد رسالة ماجستير عن الشركس، وتضمن تعاونهما اجراء مقابلات مع المعمرين الشراكسة في صويلح والزرقاء ومنطقة وادي السير

وعن المقتنيات التي لها مكانة خاصة في نفسه، قال ان من بينها صورة تعود الى اكثر من ثمانين سنة اهداه اياها القاضي عمر اباظة رئيس محكمة العدل العليا السابق.

وقال ان القاضي اباظة ليس له ورثة وكانت الصورة لوالده، وقال حين قدمها اليه انه اختاره للاحتفاظ بها معتبرا ان بيته هو اكثر مكان يشعر بالاطمئنان عليها فيه.

واضاف ان النائب السابقة توجان الفيصل احضرت له سيفا عمره أكثر من  140 سنة وقالت له “لن أجد شخصا يحافظ عليه مثلما ستفعل أنت”.

ومن بين المقتنيات الاخرى الاثيرة الى نفسه مطرزات قال ان جدته صنعتها بيديها قبل نحو تسعين عاما.

ولا يخفي افماج طموحه الى وضع متحفه على خارطة السياحة في الزرقاء والاردن عموما، وذلك حتى يتعرف الناس من خلاله على تاريخ الشراكسة وتراثهم وثقافتهم.

وقال “اذا كان هناك مجال فاود أن أجعله مركزا للزوار ولضيوف الأردن ليتعرفوا على تاريخنا”.

واشار الى انه لا يزال يدعو منذ أكثر من 12 سنة الى إقامة متحف في الجمعية الشركسية يكون متخصصا التراث الشركسي، معتبرا ان هذا الأمر “اصبح ضروريا جدا”.

وعما إذا ما كان سيورث هذه الهواية الى احد من ابنائه، رد مبتسما “ابني دوناي قال لي ذات مرة: في حال كنت مريضا وحضر ضيوف ساتولى الشرح لهم. لذلك أجد لديه الرغبة وهو يستطيع أن يقوم بهذه المهمة نيابة عني”.

ولا يقتصر زوار بيت افماج على الراغبين في الاطلاع على التراث، بل يتعدون الى الباحثين والطلبة الذين يعدون دراسات لنيل الماجستير والدكتوراة في مواضيع لها علاقة بتاريخ الشراكسة والقوقاز عموما، وهؤلاء يلقون عنده كل ترحيب وتعاون.

ويقول في هذا الخصوص “في مكتبة الأمانة أو مكتبة شومان ساعات الدوام محددة، هذا بالإضافة الى ايام العطل، بينما حين يحضرون الى هنا فان الوقت مفتوح امامهم، كما ان لدي الة تصوير وضعتها في تصرفهم لأنهم يريدون أن يكتبوا عن تراثي وشعبي وبلدي”.

 وختم حديثه بعبارة لا تقل ترحيبا عما استقبلنا به، وقال “هذا بنك معلومات مفتوح، وليس ملكا خاصا لعدنان”.



*