الأخبار

عبد الباقي جمو: مجالسنا الاخيرة حرام ان تمثل الشعب الاردني

عبدالباقي جمو: مجالسنا الاخيرة حرام ان تمثل الشعب الاردني

*بعد اغتيال البنا قلت للاخوان هنا اقرأوا السلام على الجماعة

*الأزهر الآن اصبح عارا وتشويها لكمال الإسلام 

*اول خطبة لي انتهت بلطمة كاني لا ازال اشعر حرارتها

*لو عادت الايام لاخترت ان لا اعمل في السياسة

تملكتني الحيرة، ولم ادر بأي الالقاب ادعو قامة بحجم عبدالباقي جمو حين اخاطبه، وهو العلامة الجزل والخطيب المفوه، والسياسي المخضرم الذي امضى زهاء نصف قرن من عمره متقلبا في المناصب الحزبية والبرلمانية والحكومية.

ومكمن حيرتي كان في انني اذا ما استخدمت واحدا من الالقاب العديدة التي خطرت لي وانا اقف امامه، فانني لا اكون قد انصفته، بل ساكون قد اختزلت سيرة حياته المديدة والثرية في مرحلة واحدة فقط!

هذه الحياة التي ابتدأت مراحلها منذ ولادته في الزرقاء لابوين شيشانيين مهاجرين عام 1922، ثم نشأته في المدينة التي كانت وليدة حينها ايضا، وتلقيه اول علومه فيها قبل انتقاله لدراسة العلوم الشرعية في الازهر وحصوله على درجة الماجستير، فعودته للعمل في مديرية الاوقاف.

وتمتد المراحل لتتخللها الخطابة في مسجد الشيشان الذي شارك في بنائه وكان اول مساجد الزرقاء، ثم الانخراط في العمل السياسي عبر الانضمام الى جماعة الاخوان المسلمين التي لم يلبث ان انفصل عنها لاحقا ودخوله مجلس النواب عام 1956 نائبا عن المقعد الشيشاني.

وجاءت الذروة مع استئناف الحياة النيابية في البلاد عام 1989 بعد انقطاع دام منذ العام 1974، حيث عاد الى مقعده في مجلس النواب ثم شغل بعدها اول مناصبه الوزارية، ولم يلبث ان عرضت عليه رئاسة جمهورية الشيشان، لكنه زهد فيها مؤثرا البقاء في الزرقاء.

وفي قرار غير معلن، اعتزل عبدالباقي جمو العمل السياسي عام 1997، ليتفرغ بعدها للاعمال الخيرية التي جعلها ديدن حياته منذ ان وعى على الدنيا.

وحتى اخرج من حيرتي سالته:

– بم تحب ان ادعوك حين اخاطبك؟

– أنا مواطن مثل أي مواطن، والإنسان لا يميز لا بالألقاب ولا بالأسماء ولا بانتماء لعشيرة أو مدينة او بلدة. انما الانسان بما يلتزم وبأن يثبت عمليا لا دعاية أنه لبنة في مجتمع ويحاول دائما أن يكون في المكان المناسب.

أنا لا أحب أن أثير المشاعر لأنني رجل فقدت ثلاثة اولاد، ولم يكن عندي ولد غيرهم، ولكن الله تعالى عوض علي بالأحفاد وأرجو الله تعالى أن يكونوا لبنة صالحة في بناء الأمة، وأحب عندما أَذكر أن أعرف باسم أكبرهم (يقصد ابناءه).

 أحب دائما إذا وقعت أو كتبت على كتاب أو معاملة أو اذا نوديت أن أنادى بأبي هارون.. لأن ولدي الكبير (محمد هارون).

 أرفض أن يقال عني شيخ. ولما سالوني مرة لماذا ؟؟ قلت مازحا: لأن الشيخ لغة من بلغ الأربعين وفي رواية من بلغ الخمسين، وأما في اللفظ الآخر، فللشيخ تعريفه في اللغة العربية وهو من بلغ رتبة أهل الفضل و لو كان صبيا. فقلت: لا أدَّعي ولا يجوز لي أن أدَّعي أنني بلغت رتبة أهل الفضل حتى يقال عني شيخ.

واضاف معرفا بنفسه: أنا من أسرة عبد القادر الجيلاني وجدنا يصل نسبه إلى حسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، ونحن من آل البيت وأكثر ناس في الشيشان لأن جدي الثامن أنجب ستة أولاد اثنان منهم توفيا صغيرين وبقي له اربعة أولاد من زوجتين. وهؤلاء الاربعة اولاد صاروا اربعة عشائر والعشائر صارت فروعا وعائلات.

– بعد مسيرة حياة حافلة بالمحطات، كيف يمضي الشيخ وقته هذه الايام؟

– في المكان الذي اجلس فيه، بجانبي الكتاب الذي أريد أن أعيد (قراءته) لأنني بدأت أنسى، وكمراجعة وحتى لا أضيع الوقت، وفي كتابة الأمثال والذكريات.

-انقطعت منذ اواخر التسعينيات عن العمل السياسي، فما هي الاسباب؟

– لأعطي الدور لغيري. أنا الآن كبرت..ولأنه بدأ الأسلوب الذي أكرهه في المجلس. بدأ هناك اناس يطلبون مكاسب للنواب، مثل مجالسنا الاخيرة. وهذه مجالس حرام ان تمثل شعبا مثل الشعب الاردني.

الآن مثلا يريدون أجور النقل من المحافظات لأنفسهم، كما ويطلبون (بدل) مبيت.. يريدون إذا قدم (احدهم) من الجنوب أو من الشمال أو من السلط أو من الزرقاء وخطر على باله أن ينام في عمان، ان ينام في فندق خمس نجوم. والحكومة توافق على طلباتهم كلها.

أنا (امضيت) 45 سنة و شهر ويومين من نائب لعين مرتين إلى وزير ثلاث مرات.. ولا مرة طلب أي شخص كان في المجلس الذي كنت أنا فيه مصلحة لنفسه أو لنائب.

وقد عُـرِضَ علي ثلاث مرات (بعد اعتزال العمل السياسي) أن أكون في الأعيان، وطبعا أنا رفضت وبأدب..

– اقترنت بدايتك مع السياسية بانضمامك لجماعة الاخوان وكنت يوما نائبا لمراقبها العام، لكنك لم تلبث ان انفصلت عنها، ما الذي جعلك تتخذ هذا القرار؟

– أنا تركتها لأسباب استطيع الآن أن أثبتها ولكنني لن أذكرها لأنها تمس الإسلام. ليس لأن الإسلام يبيح مثل هذه الأعمال، لا، لأن من ينادي بالإسلام ويتصرف هكذا فما هو الفرق بينه وبين البعث والقوميين والإشتراكيين.

قال (احدهم) وكان هذا الكلام من 3 سنوات: انا الوم فلان -أي أنه يلومني لأنني كنت في القيادة وفي مركز الأخوان- وقال كان يقدر ان يعمل كذا وهو يعرف كل هذه الأخطاء، وصار له 40 سنة ولا يريد أن يتحدث عنها.

وفي أحدى المناسبات التقيته وقلت له انت رجل كبير ولا يوجد أي شعرة سوداء في لحيتك، أنت تزيد في الكلام.. ألا تعرف أنك  تسيء للإسلام؟ لعلهم تابوا. لا يجوز أن نفضح الناس.

-الجماعة ما بين الامس واليوم، هل تسير الى الافضل ام غير ذلك؟  

-الجماعة بعدما توفي (مؤسسها) حسن البنا وهي الى اسوأ. أنا جلست مع حسن البنا وندر ان تجدي رجلا مثله يصلح للقيادة وهو مؤدب بلا حدود.

قتلوا حسن البنا وأحضروا الهضيبي (المستشار القاضي حسن إسماعيل الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين) وكان لا يفهم من الإسلام إلا أنه يصلي. ويومها جئت إلى الأخوان هنا وقلت لهم اقرأوا السلام على الأخوان.

-بدأت حياتك العملية في اوقاف الزرقاء واماما وخطيبا في مسجد الشيشان، هل تذكر خطبتك الاولى فيه؟

– أنا خطبت على المنبر وعمري 14 سنة، وارتجاليا وبدون ورقة..(ثم روى قصة تلك الخطبة بعدما اقسم انه يخبرنا ما حصل بالضبط، وقال):

كان عندنا شيخ اسمه عبد الهادي القدومي رحمه الله وكان من الصالحين، والمشايخ لم يكن يدرسوننا فقط، بل كانوا يعلموننا كيف نلقي كلمة وكنت دائما أنا الأول بين الأطفال.

ورأيت في الحلم أن الشيخ القدومي يخبرني بأنه سيذهب إلى عمان وانه لا يوجد أحد في البلد ليخطب، وذلك حتى أخطب عنه، وفي الصباح كان مثلما رأيت في المنام، حيث جاءني أحد السوريين وهو من أصحاب الدكاكين وقال لي ان القدومي راح وكذا كذا.

وبالفعل ألقيت خطبة ارتجالية، وكان موضوع الخطبة عن التدخين وفيها حـرَّمت التدخين وقلت أن التدخين حرام … وكان عندنا ختيار عمره مئة سنة في حينها وكان مؤذيا جدا للناس، فجاء وناداني بالشيشاني ولقبني بكلمة لاذعة وضربني كف كأني أشعر حرارته الآن.

– توجت حياتك العلمية بالدراسة في الازهر، ما الذي جعلك تفضل دراسة العلوم الشرعية على التخصصات الاخرى؟

– آباؤنا كانوا يعتبرون أنهم مهاجرون إلى هذه البلاد للتفقه في الدين وللبحث عن الحياة التي لا تلهيهم عنها أعمال الدنيا كلها، وأنا بشكل خاص كان هذا هدفي من سلك هذا المسلك.

وكنا أيام الدراسة نذهب صباحا الى المدرسة، وبعد الظهر وتقريبا لغروب الشمس نرعى البقر أو نحصد البرسيم ، وبعد صلاة العشاء كنت أذهب لأحد العلماء الذي أتونا من الخارج وأدرس الفقه والشريعة.

واحمد الله تعالى أن فقه الشريعة الإسلامية يمثل أعلى مستوى من التقدم، والدستور الذي يصلح لإصلاح الإنسان وإصلاح المعيشة هو الشريعة الإسلامية، اما العلوم الأخرى فهي علوم يستفيد الإنسان منها بقدر وعيه..

– هل ترى ان الازهر افسدته السياسة؟

– في حينها لا (يقصد حين كان طالبا).. لم يكن شيخ الأزهر ولا علماء الأزهر يخضعون لأمر الملك فاروق، والسنة التي أكملت فيها (الدراسة) كانت سنة الإنقلاب ومع أول مظاهرة في القاهرة أخرجونا من كل الكليات في الأزهر في مظاهرة وهذه المظاهرة كانت تمهيدا للإنقلاب من الضباط الأحرار.

ماذا كان يحدث في المظاهرات؟ أي مؤسسة يهودية كان هناك من يحميها من المتظاهرين وأي محل لمسلم ولمجرد أنه كتب العنوان بالعربية والانجليزية كانوا يحرقونه بهذه الحجة، أما مؤسسات اليهود فلم تمس بسوء.

الازهر الان اصبح عارا وتشويها لكمال الاسلام وجماله، وهو يسير مع الانقلاب الذي هو من تدبير اميركا واليهود واوروبا، وهي ليست مستعدة ولا حتى الذين هم في الدول العربية لان تسمح بقيام دولة اسلامية، وما يحصل في سوريا والعراق واليمن وليبيا وتونس دليل واضح أنه ليس معنا أحدٌ إلا الله، والله تعالى لا يمدنا بالنصرٍ إلا إذا عدنا  للإسلام.

-كيف يمكن ان تتحدث لنا وتصور الزرقاء كما عايشتها في ايام النشأة الاولى؟

– يصعب الان في الاردن كله تقريبا ان يحيا احد وينشا كما حييت وكما نشأت.. لأن الأمور تغيرت وتبدلت.

كان الكبير محترما والصغير يعطف عليه، وكان الناس كلهم كأنهم جسدٌ واحد..كانوا يتركون البذار والنير والمحراث في الأرض ويعودون في اليوم التالي دون ان يجدوا شيئا فقد مما تركوا، كان هناك أمان وكان وفاءً ورجولة، والرجل هو الذي لا يمد يده إلى مال الغير، والرجل الذي إذا تحدث كذب وإذا أؤتمن خان وإذا وعد لم يوف وعده فهذا لا يعد من الرجال.

والزرقاء كانت قرية وكانت هناك مدرسة واحدة، وكنا نتخذ الزرقاء ميدانا للسباق وكنا ندور حولها دورة أو دورتين أو ثلاث دورات ولا يبقى خارج ميدان السباق سقف واحد.

(في ايام شبابه لعب عبدالباقي جمو جناحا ايسر في الناديين القوقازي والاهلي ومارس المصارعة والعاب القوى والفروسية).

والشيشان كانوا فلاحين ليس لهم مورد رزق إلا إذا زرعوا وحصدوا، ونحن بالتبعية كنا نذهب في الصباح الى المدرسة وبعد الظهر كنا نرعى البقر أو نخدم في البساتين. والحريص منا على العلم إن كان أبوه يشجعه كان بعد صلاة العشاء يدرس على يد إحد المشايخ الذين أتونا إما من سوريا أو من فلسطين.

كانت الغاية من الدراسة التعليم والتعلم وليس الشهادة..الآن اختلفت الصورة والشهادة عندنا صارت هي التي يُعتمد عليها في طلب الرزق والوظيفة وليس لتخريج العلماء.

في زمننا كنا نلعب مثلا في الشارع وإذا رأينا المعلم كنا نخلي الشارع له ونذهب لشارع اخر، كنا نحترمه كما يحترم البار والديه..ولم نرَ طالبا أساء الأدب بكلمة حتى وإن كان مظلوما أما الآن فلا الطالب طالب ولا المعلم معلم.

-كانت الزرقاء قرية في بدايات الثلاثينيات، هل كنت تتوقع حينها ان تتسع وتتضخم لتصبح ما هي عليه اليوم؟ 

– اذكر انه في الثلاثينيات جاء شبان وقالوا لشيخ كبير: اخرجتمونا من تلك الجنة -ويقصدون بلاد القوقاز- واتيتم بنا الى هذه الصخور والحجارة. فقال لهم هل ترون هذه البلد (الزرقاء)؟ هذه سكة الحديد ستكون بين مدينتين كبيرتين وستكون هي من أكبر المدن تقريبا، وكان في الزرقاء كلها 200 أو 300 انسان.

يعز علي عندما أفكر في الزرقاء وفي رجالاتها، وأنا أسميهم السلف الصالح إن شاء الله، كيف كان التعاون معهم وبينهم وكيف كان يحب بعضهم بعضا.

كان الإنسان ينام على طرف النهر ويشرب منه، وترى الحصى تلمع وكأنها لآليء من نظافة الماء..إن دخلت أي بستان تجد جميع أنواع الثمار..وكل من يمشي على قدميه كان يحمل سلته ويدخل أي بستان و يعبئ السلة ويخرج، ولا أحد يسأله.

كان بيع البيض والحليب عيبا، ومن لا يملك يأتي ويأخذ حصته..والشوارع لم تكن معبدة، لكن ما الذي كان يحصل؟ ربات البيوت كن يحضرن الماء على ظهورهن وكل يوم بعدما تسرح الأغنام والأبقار يخرجن ويكنسن الشارع ويغسلنه.

كل فرد كان يصلي في المسجد، وحتى من في المزرعة كان يركب فرسه ويأتي ليصلي في المسجد، ومن يتأخر عن صلاة العصر مثلا فلها غرامة معينة وصلاة الظهر لها غرامة وصلاة العشاء أكثر وصلاة المغرب أكثر والفجر أكثر.

الناس كانوا يدا واحدة، وعند الزراعة يبدأون السقاية من آخر قطعة أرض وهكذا بالتدريج، وكانوا يتعاونون على حراثة أرض بعضهم البعض وعند الحصاد والغمار وعند الدراس في البيادر ويؤدون الزكاة على البيدر مباشرة.

كان كل الشباب والنساء يرتدون زيا شرعيا، ولم تكن هناك نواد ولا جمعيات، ولا يمكن أبدا ان يكون أحدهم جالسا ويمر أمامه من هو أكبر منه سنا وأن يظل جالسا، بل يقف ويسأله إن كانت له حاجة..

– هل هناك قرارات اتخذتها وتود لو تعود الايام فتتخذ غيرها؟

– كثيرة..، لم اكن ساعمل في السياسة.. وطبعا لا يوجد إنسان كبر في السن الا ويقول في نفسه لو عادت أيامه الأولى وعرف ما يعرفه لفعل كذا وما فعل كذا..



*