المجتمع المدني

اطفال بالزرقاء يعرضون حياتهم والاخرين للخطر بمحاكاتهم للعنف المتلفز

ظن الطفل الذي حصل للتو على بزة “سوبرمان”، انه سيصبح قادرا على الطيران بمجرد ارتدائه لها، ولولا ان تداركه اهله في اللحظة الاخيرة، لكان قفز من نافذة منزلهم في الطابق الثالث في احد احياء الزرقاء.

هذه القصة التي ترويها مريم عربيات عن اخيها الصغير، تتماثل في غرابتها مع ما تحكيه سوزان المحارمة عن ابن خالة لها، والذي قالت انه اصيب بجرح قطعي بالغ في قدمه خلال محاكاته شخصية كرتونية اخرى.

واوضحت المحارمة ان قريبها الطفل كان قد سدد ثلاث ركلات متتالية لباب زجاجي في منزلهم بعدما راى تلك الشخصية الكرتونية تفعل ذلك، وكانت النتيجة تحطم الزجاج واصابته بجرح نازف تطلب علاجه عدة قطب في عيادة الطبيب.

اما ابن شقيق هيام ابو سلامة، فقد تسبب لاخته باصابات من بينها كسر احد اسنانها، وذلك بعد ان استقوى عليها وضربها خلال تقمصه شخصية “معتز” في المسلسل الشهير “باب الحارة”.

ولا تزال ماثلة في ذاكرة اهالي الزرقاء قصة الطفل الذي نجا باعجوبة من الموت قبل بضعة اعوام، بعدما حاول تقليد عملية اعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، والتي كانت محطات التلفزة قد عرضتها في حينه مرارا وتكرارا.

وتتجاوز اثار المشاهد العنيفة التي تحفل بها مختلف المسلسلات والافلام والبرامج، وحتى تلك المخصصة للاطفال، مجرد العنف المباشر، لتصل الى مرحلة صياغة شخصية الطفل ومستقبله، كما تبين دراسة أعدها المجلس الوطني لشؤون الاسرة.

وقالت الدراسة ان الطفل المشاهد للتلفاز دون رقابة أو انتقائية يصبح اقل احساسا بآلام الآخرين ومعاناتهم واكثر رهبة وخشية للمجتمع المحيط به وأشد ميلا الى ممارسة السلوك العدواني ويزيد استعداده لارتكاب التصرفات المؤذية.

وشملت الدراسة التي نشرت نتائجها قبل بضع سنوات عينة تمثل الطلاب والطالبات الدارسين في مدارس حكومية وخاصة، وتتراوح اعمارهم بين سبعة وثمانية أعوام.

ومما خلصت اليه ايضا ان وقت ذروة المشاهدة فى الفترة المسائية تعرض فيه مشاهد عنيفة بمعدل خمسة مشاهد في الساعة ما يعني أن الطفل فى عمر ١١ عاما يكون قد شاهد نحو ٢۰ ألف مشهد قتل أو موت واكثر من ٨۰ ألف مشهد اعتداء.

واستشهدت الدراسة بابحاث لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو)، اظهرت أن الطفل العربي وقبل أن يبلغ الثامنة عشرة يمضي أمام شاشة التلفاز ٢٢ ألف ساعة مقابل ١٤ ألف ساعة يمضيها في المدرسة خلال المرحلة نفسها.

ووفق ابحاث اليونسكو، فانه مع بدء القرن ال٢١ زاد المعدل العالمي لمشاهدة الطفل للتلفزيون من ثلاث ساعات و٢۰ دقيقة يوميا الى خمس ساعات و٥۰ دقيقة نتيجة الانتشار الواسع للفضائيات التلفزيونية.

وبحكم خبرته، يوضح الدكتور محمد النابلسي، وهو طبيب في قسم الطوارئ التابع لاحدى المستشفيات الخاصة في الزرقاء، ان غالبية الاصابات التي يتعرض لها اطفال خلال محاكاتهم للعنف المتلفزة تتمثل في حالات النزف والكسور بانواعها.

وقال النابلسي ان الاصابات تتفاوت في خطورتها وشدتها تبعا للحالة، وينجم اكثرها عن تقليد الاطفال لبرامج المصارعة، والتي يتابعونها دون رقابة او ارشاد من قبل الاهل.

ومن جانبها، تؤكد الاخصائية الإجتماعية والنفسية إيمان الخطيب، ان البرامج والمسلسلات التلفزيونية التي تقدم بطريقة مشوقة محببة للاطفال لها تأثير كبير عليهم، وبالأخص في سن تكوين المبكر.

وقالت الخطيب ان مخاطر ما يقدمه التلفزيون تزداد في ظل تعرض الاطفال لبرامجه دون رقابة او ارشاد من الاهل، حيث ان الطفل لا يستطيع التمييز بين ما هو صحيح وما هو خطأ، وقد يلجأ الى تقليد السلوكيات السلبية التي يراها دون ادراك.

ودعت الاهل الى مراقبة ما يشاهده اطفالهم، والعمل على ان يوضحوا لهم حدود الحقيقة والخيال فيها، كما هي الحال مع شخصيات مثل سوبرمان، وايضا الخدع في برامج المصارعة، وذلك حتى لا يقوموا بتقليدها وممارسة العنف ضد الاخرين.

كما حثت الخطيب الاهالي على تقليص عدد الساعات التي يسمحون فيها لاطفالهم بالجلوس امام التلفزيون، وتشجيعهم على ممارسة مهارات اجتماعية وهوايات تملأ اوقاتهم.



*