قضية العدد

عذاب القبر واهوال القيامة في مناهج التعليم الأساسي !

لم تشفع لي خبرتي الطويلة على مدار سنوات  بالتعامل مع كوابيس أطفالي الليلية، لتمنحني القدرة على تخفيف عوارض الرعب لدى ابنتي التي لم تكمل عامها الثامن ، بعد عودتها من يومها الدراسي الذي لم يكن اعتياديا ذلك اليوم،  والسبب كما علمت لاحقا حصة التربية الإسلامية التي كان موضوعها  ” اليوم الآخر وعذاب القبر” .

شخصيا لا أعتقد أن أي عاقل يستطيع تحمل وطأة الصور المرعبة التي تسوقها الرواية الدينية عند وصفها لأهوال يوم الحساب، وتفاصيل ما سيحدث للشخص في قبره بعد موته، وكمية التعذيب “للعصاه والكفار والطغاة والباغيين والمستكبرين….الخ”.

فكيف بطفلة لم تتجاوز الثامنة من عمرها، تتجلى المدرسة في مخيلتها مكانا للمتعة والفائدة ولقاء الأصحاب، والاستماع لقصة من معلمة في مقام الأم، وإذ بهذه الأم تعرضها  بشكل متكرر لتجربة نفسية مرعبة، شكلت حاجزا بينها وبين المدرسة من جهة، وبين التعرف على الدين كاسلوب حياة يدعو للخير وينهى عن الشر -إن كان المقصود هو كذلك- من جهة أخرى.

لا أعرف لماذا يصر كثيرون لهم علاقة بدروس التربية الإسلامية ، سواء في المدارس أو النوادي الصيفية، أو خطب المساجد أو الدروس التي تعقد بين الصلوات، أن يمارسوا على الأطفال إرهابا فكريا واتباع أسلوب الترهيب السهل، بدل  اللجوء إلى أسلوب الترغيب الذي -وإن لم يقنع طفلا بفرض الصلاة، فإنه لن يكرهه في الدين -كما يفعل أسلوب “الترويع والصدمة ” الحالي.

نعم التاريخ الإسلامي يؤكد اعتماد أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة، ولكنه لم يكن موجها نحو أطفال قاصرين في المدارس الأساسية، وإنما كان يخاطب بالغين لهم حرية أختيار الدين والمعتقد، ولديهم القدرة لإخضاع كل الأفكار المطروحة  أمامهم للعقل والمنطق، وترقى قدراتهم الذهنية إلى فهم المنطوق والمقصد من وراءه كل بحسب قناعاته.

كما أن المتتبع للخطاب القرآني في سرده لهذه الصور، لم يكن العذاب فيه سابقا للثواب بالغالب، بل جاء وصف الدنيا وضرورة العمل والحياة وسرد مغريات الجنة سابقا  لعذاب الآخرة، وسابقا لوصف الجحيم وأهواله والقبر وصور الرعب فيه، ولم يخرج الأمر عن هذا السياق إلا عندما استلم البشر تفسير ذلك الخطاب، وأخذوا على عاتقهم مسؤلية تفسيره بحسب اعتقادهم ورؤيتهم الشخصية له.

وإن كان تفسيرهم البشري يجنح نحو التطرف في وصف تلك الأهوال، فهم إحرار بذلك، ولكن فليكن  الأطفال مستثنيين من هذا الخطاب، وليعرضوه على بالغين راشدين إطلعوا بحكم العلم والتجربة على مناهج وأفكار مختلفة ومتنوعة.

وأن إتفقنا بزاوية ما مع من يرى أن الإطفال  يحتاجون لتربية روحية، وإطلاع على مبادئهم الدينية، فإنه من باب أولى أن تكون هذه الإطلالة بأسلوب إنساني علمي ويراعي أعمار الطلبة، وحاجاتهم النفسية لخطاب تربوي حضاري يحترم طفولتهم، وضرورات نموهم الفكري والعقلي والنفسي، لا أن يكون بهذه الصورة المنفرة  التي تجعل المدرسة في نظر الطفل  مكانا مزعجا،  وتسبب له الخوف حتى من التنقل في منزله الخاص، ناهيك عن النوم ليلا بهدوء!!.

هذا الخطاب الذي يركز فيه على تلك المشاهد بهذا الشكل وبتوقيت لا يناسب أعمارهم، يربي جيلا يؤمن بالعنف تجاه كل من يختلف معه في المنهج أو المذهب أو الدين أو حتى التفكير، ولا يؤسس لفكر متسامح يستوعب الإختلاف ويؤمن بحرية المعتقد والإيمان، ويجنح بأطفالنا وشبابنا عن الخطاب الديني المعتدل، وما نراه في منهج “داعش” الإجرامي خير دليل.

كما أن  الدروس الدينية في المناهج المرحلة الاساسية  تسرد بلغة معقدة ودينية متخصصة، تستعصي على الفهم يستحيل عبرها التواصل الصحيح مع الأطفال، فتكون حاجزا آخر بينهم وبين مبادئ إنسانية يجب أن تكرس في مواد التربية الدينية ولا أن يتم تعزيز  مبادئ الإقصاء والترهيب.

وهذه الدروس وإن كانت مقبولة في المناهج للصفوف المتقدمة، إلا أن تدريسها في ظل غياب  مواد تعليمية إبداعية عن المشهد التعليمي مثل الفلسفة والمنطق واساليب البحث العلمي والتحليل، جعل واقع التعليم المتردي في الصورة العامة، قاصرا إلى حد الإساءة للدروس الدينية ولتطور الطلبة العلمي والتربوي بذات الوقت.

وفي ظل الواقع الحالي للتعليم الديني في مدارسنا، فإن القائمين على المناهج أمام خيارين: إما تعديل تلك المناهج بما يتناسب مع أعمار طلبة الصفوف الأساسية، أو إلغاء الدروس الدينية لتلك المرحلة وتأجيلها للصفوف العليا بعد إخضاع تلك المناهج  لتقييم علمي ونفسي وتربوي من قبل إخصائيين إكفاء.



*